:::::: فهم الإسلام في ظلال الأصول العشرين::::::


بسم الله الرحمن الرحيم

أقدم لإخواني

كتاب 

== فهم الإسلام في ظلال الأصول العشرين ==

للإمام الشهيد : حسن البنا رحمه الله


المؤلف: فضيلة الأستاذ جمعة أمين عبد العزيز



===============================
المصدر: موقع الأستاذ جمعة أمين عبد العزيز

اقرأ المزيد »

سيد قطب فى يوم مولده نذكره ونحبه ونختلف معه


مكتبة الدعوة و التغيير تقدم لكم
سيد قطب فى يوم مولده نذكره ونحبه ونختلف معه
أحيانا كثيره اسأل نفسي ماذا لو لم يكن سيد قطب على هذه الموهبة الأدبية العالية المرهفه والتي شهد له بها الكافة..وكان فقط مفكرا يتعامل مع الواقع تعامل المفكرين والفلاسفة..أكان يذهب فى آرائه إلى ما ذهب.؟

(التاريخ ليس هو الحوادث إنما تفسير الحوادث ومعرفة الروابط التى تجمع بين شتاتها وتجعل منها وحده متماسكة الحلقات..و فهم الحوادث وتفسيرها مرتبط بإدراك مقومات النفس البشرية روحيه وفكرية ومادية وفهم مقومات الحياة الدنيا غيبيه ومادية وأدبيه..)هذه الكلمات قالها سيد قطب رحمه الله..ولعلها تساعدنا نحن أيضا بدورنا على فهم وتفسير كثير من المواقف والآراء لهذا الرجل الكبير الذى توفاه الله شهيدا يوم 20/8/1966م.

أحيانا كثيره اسأل نفسي ماذا لو لم يكن سيد قطب على هذه الموهبة الأدبية العالية المرهفه والتي شهد له بها الكافة..وكان فقط مفكرا يتعامل مع الواقع تعامل المفكرين والفلاسفة..أكان يذهب فى آرائه إلى ما ذهب.؟

أوماذا لو كان قد قدر له..أن يذهب الى العراق تلبيه لدعوه رئيسها عبد السلام عارف بعد خروجه من السجن عام 1964 م ..أما كان لهذه الرحلة إلى مجتمع جديد ومناخ جديد من اثر فى تكوين رؤى وأفكار مختلفة .كما تكونت أراء وفتاوى مختلفة للشافعي رحمه الله حين رحل من العراق إلى مصر؟

أوماذا لو أمد الله فى عمره ووافق الرئيس عبد الناصر على تخفيض الحكم من الإعدام إلى السجن كما طلب منه الكثيرون وقتها داخل مصر وخارجها..أما كان الزمن وطول التفكر يمنحانه الفرصة للمراجعه واعاده النظر فيما ذهب إليه من استنتاجات ومفاهيم ؟ وهو ما حدث مع كثير من المفكرين فى مراجعات عظيمة لما اعتقدوا فى صوابه فى فترات سابقه من حياتهم... لكن الله سبحانه أراد له أن يكون شهيدا وهو سبحانه يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير..وخلق كل شيء فقدره تقديرا ..

لا يشك أي منصف فى أن سيد قطب رحمه الله رجل تجرد لدينه تجردا مقدراً وأسلم وجهه لله وحده وهو مؤمن تماما بقوه هذا الدين و قدرته على اقامه الحياة الصحيحة فى رحاب الاستخلاف وعمارة الأرض..رجل وضع رأسه على كفه وقدم روحه رخيصة من أجل ما يؤمن به ويعتقده.قضى سنوات عمره الأخيرة سجينا يجلي الفكرة ويشرحها بقلمه وبيانه وأسلوبه كرجل صاحب موهبة ومقدره لم يختلف عليها أحد.وحقيقة الأمر أن كتبه كانت ولازالت تعطي قارئها دفعه روحية ووجدانية عظيمة الأثر لما بها من صدق وتجرد وحرارة وإخلاص.ولا بد لمن يريد أن يفهم سيد قطب أن يحيط بمراحل حياته وتطوره فيها حتى يعرف حقيقة موقفه وقناعاته التى انتهى إليها.

نفهم وندرك بوضوحٍ وجلاءٍ أن سيد قطب رحمه الله كان أديبا شفيفا ولم يكن فقيها ولا أصوليا وحين يكتب الأديب لا يكون محددا وقاطعا في كلامه ولا مطلوب منه ذلك بل يحلق فى عالم النماذج والرموز والمثل باحثا عن المعنى الأجمل والأغنى دائما..عكس الفقيه الذى لا مجال لأي لبس في ما يكتب ويقول بل يجب أن يكون واضحا ودقيقا ومحددا حتى لا تلتبس آرائه بعضها بعضا فيضل ويِضل.(بضم الياء فى الثانيه)
إذا فهمنا هذه الخلفية واستوعبناها جيدا ندرك أن ما كتبه سيد قطب كتبه بعقل وقلب وضمير الأديب الذى يحمل في كلماته المجاز والبلاغة وجمال العبارة وعدم المباشرة حتى وهو يكتب ويفسر آيات القرآن الكريم وحتى وهو يناقش المفاهيم والمصطلحات الاسلامية.

لا شك أن المرحلة الأهم في حياة سيد قطب هى مرحلة البحث فى الإسلام والدعوة له بوصفه عقيدة ونظاما للحياة.يقيم العدالةالاجتماعية ويرفع الظلم والبؤس ويرعى حقوق الفقراء والمستضعفين..بالتشريع والتوجيه.وفى هذه الفترة – والتى أعقبت مجيئه من أمريكا - كان قد اختار الانضمام إلى دعوة الإخوان المسلمين باعتبارها الكيان الفكري المنظم الذى يمكنه استيعاب أفكاره وآراؤه فى اتجاه الدعوة والإصلاح والتبشير بهذه القيم وتسلم رئاسة قسم نشر الدعوة في الجماعة واشرف على تحرير مجلة الدعوة إلى أن سجن..وكان السجن والتعذيب والمبالغة فى الخصومة مما أثار حفيظته وألقى فى روعه الكثير من الدهشة)وطرح الكثير من الاسئله الأولى عن طبيعة ما يحدث ويجرى..وهو الأديب الرقراق الرهيف والمفكر الذى لا يكف عن وضع علامات استفهام على كل شيء حوله حتى يسكن فكره إلى فهم ما يدور.ولم تكن(الخصوم السياسية)كافيه فى حقيقة الأمر لتفسير كل هذه الدماء والأشلاء وألوان الاضطهاد والترويع التى يراها من حوله فى الزنازين وغرف التحقيق.

وقد ذكر أحد الإخوان المقربين منه وكان معتقلا معه 1965م أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة:المعالم والأجزاء الأخيرة من الظلال وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته والإسلام ومشكلات الحضارة و ما صدر له وهو في( السجن) أما الكتب القديمة فلا تمثل إلا تاريخا لا أكثر فقال له هذا الأخ: إذن أنت كالشافعي لك مذهبان:قديم وجديد والذي تتمسك به هو الجديد قال سيد رحمه الله: نعم غيرت كما غير الشافعي رضي الله عنه ولكن الشافعي غير في الفروع وأنا غيرت في الأصول!.



والحقيقه اننى أريد من خلال مقالي هذا ان أناقش موضوعين اهتم بهما سيد قطب وركز عليهما فى كل كتاباته ودراساته وشغلا الكثير من الباحثين والدارسين والكثير أيضا من أبناء الحركة الإسلاميه..وهما موضوع (الحاكميه)وموضوع(جاهلية المجتمعات) .

فكرة الحاكمية أسئ فهمها كثيرا وحملت اكثر مما يراد منها فهما وتطبيقا..فالحاكمية التي ركزعليها سيد قطب هي الحاكمية(التشريعية)والتى مفهومها أن الله سبحانه هو المشرع لخلقه وهوالذي يحل لهم ويحرم عليهم وهذا ليس من ابتكار سيد قطب ولا حتى المودودى الذى اشتهر هو أيضا بالكتابة فى هذا الموضوع كثيرا..بل هو أمر معلوم بالضرورة عند المسلمين جميعا وقررها علماء الأصول واتفق عليه أهل السنة جميعا.

(الحاكمية)التي قال بها سيد قطب والمودودى وجعلاها لله وحده لا تعني أن الله تعالى هو الذي يولي العلماء والأمراء فيحكمون باسمه بل المقصود بها(الحاكمية التشريعية)فحسب أما مصدر السلطة السياسية فهو للأمه ...الأمة هي التي تختار حكامها وهي التي تحاسبهم وتراقبهم بل وتعزلهم..وهذا الفهم عليه كثير من الضباب ويصر كثير من العلمانيين على تلبيس هذا الموضوع تلابيس خاطئة بغرض الوصول إلى النتيجة التي يريدونها من إقصاء الدين عن الحياة...فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة دينيه على الإطلاق بل هذا ما نفاه كل من سيد قطب والمودودي رحمهما الله. وهو ما أكده سيد قطب بوضوح حين قال(ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم-هم علماء الدين- كما كان الأمر في سلطان الكنيسة ولا رجال ينطقون باسم الآلهة كما كان الحال فيما يعرف باسم الحكم الإلهي المقدس!!ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة)

والحاكمية -بهذا المعنى- لا تنفي أن يكون للبشر دور فى التشريع أذن به الله لهم إنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال وتفرد بالتشريع من دون الله و هذا ما لايقبله اى مسلم و لايرضى به ..كالتشريع في أمر العبادات والتشريع الذي يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ويسقط ما فرض الله.أما التشريع فيمالا نص فيه أو في المصالح المرسلة فهذا من حق المسلمين ولهذا كانت نصوص الدين في غالب الأمر كلية.. إجمالية.. لا تخوض فى التفاصيل المتغيرة بتغير الزمان والمكان والبشر وتركت مساحة كبيره مما يسميه العلماء(الفراغ التشريعي) ليتاح للناس أن يشرعوا لأنفسهم ويملئوا هذا الفراغ التشريعي -الذى أفرغ قصدا ورحمه- بما يناسبهم ويناسب تطور أمور حياتهم..

الموضوع الثاني هو فكرة(جاهلية المجتمعات)وهى الفكرة التى توسع واستطرد فيها رحمه الله إلى حدود محرجه..الى أحد أن من يقرا الظلال والمعالم قراءه كاملة لا يسعه إلا أن يصل إلى حقيقة أن المجتمعات كلها قد أصبحت(جاهلية).جاهلية السلوك وجاهلية العقيدة وهو الكلام الذى يقرب صاحبه من فكره(التكفير)بسهوله حيث أن هذه المجتمعات لم ترضَ بحاكميه الله تعالى وأشركت معه آلهة أخرى استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين والقيم والأفكار والمفاهيم واستبدلوا بها شريعة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

لذلك وجب علينا أن نعرض(العقيدة)أولا حتى يؤمن الناس بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وبالشريعة حاكمة.مقدرا أن الإيمان الحالي فى نفوس الناس هو إيمان لفظي مجرد من تأكيدات الواقع ..وهذا هو ما أشار إليه في كتابه (المعالم) فشبه مجتمعاتنا اليوم بمجتمع مكة في عهد الرسالة!!! وعليه فالرسول لم يبدأ بالنظام والتشريع بل بدأ بالعقيدة والتوحيد.أولا..كما رأى عليه رحمة الله أنه لا معنى– فى ظل هذا الفهم-لما يطلق عليه تجديد الفقه الإسلامي أو إحياء الاجتهاد فلا فائدة على الإطلاق من ذلك كله ما دام المجتمع المسلم(غائبا)..إذ يجب أن يقوم المجتمع المسلم أولا ثم نجتهد له في حل مشكلاته في ضوء واقعنا الإسلامي.!!.هذه المقاربة فى تشخيص وفهم الواقع لم يقل بها أي من الدعاة والمصلحين من قبل ناهيك عن الأستاذ البنا نفسه والذى كان قد وضع أسس العمل الإسلامي على قاعدة أن(المجتمع مسلم) ينقصه بعض قيم وأخلاقيات الإسلام وهذا دورنا وحقه علينا ومن ثم كانت الدعوة..وان(الدولة مسلمة)ولكن عليها الاقتراب اكثر من الأحكام والتشريعات التى تقيم العدل والحرية والحياة الكريمة الآمنة لمواطنيها..ومن ثم كانت النصيحة الدائمة والتواجد القوى فى المؤسسات التشريعية والرقابية والنقابية.

أيضا رأيه رحمه الله في(الجهاد)و الذى دعى فيه إلى أن يعد المسلمون أنفسهم لقتال العالم كله!!حتى يسلموا أو يعطوا الجزية...وحجته في ذلك آيات سورة التوبة وما سماه بعضهم (آية السيف)ولم يقف عند آيات كثيرة تقصر القتال على من يقاتلنا وتمنعنا عمن لم يقاتلنا بل ودعوتنا إلى البروالقسط مع المخالفين لنا إذا لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا.كما تنص الآيات. ويقول الشهيد رحمه الله فى ذلك:( إننا لا نفرض على الناس عقيدتنا إذ لا إكراه في الدين وإنما نفرض عليهم نظامنا وشريعتنا ليعيشوا في ظله وينعموا بعدله.) وهذا كلام يبدو غريبا إذ ماذا نقول الناس إذا رفضوا وقالوا:نحن أحرار في اختيار النظام الذي نرضاه لأنفسنا فلماذا تفرضون علينا نظامكم بالقوة؟!.هل نقاتلهم ونعلن عليهم الحرب ؟؟ثم كيف نرضى لهم اختيار عقيدتهم وفق قاعدة(لا إكراه فى الدين) و نكرههم على اتباع طرق وأساليب حياه محدده .. لم يذهب إلي ذلك أحد من العلماء و الفقهاء .. ناهيك عن أن التاريخ لم يرد فيه مثل ذلك.



كان الرجل رحمه الله مخلصا غاية الإخلاص في مقاصده وتوجهاته..مأجورا إن شاء الله في اجتهاده كون الإسلام كان مرجعه ومقصده.ليس هذا فحسب بلو نحسب أن الرجل كان كله للإسلام...عاش للإسلام ومات في سبيل الإسلام ...فرضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..وغفر الله له ما نعتقد أنه أخطأ فيه وله أجر المجتهدين الصادقين ..

" رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحشر10)

إسلام أون لاين





اقرأ المزيد »

التلمسانى صمام أمان لشعب ووطن وجماعة


الأستاذ عمر التلمساني طراز فريد من الرجال والذي تحمل مسئولية الاخوان في فترة من أصعب الفترات في عمر دعوة الإخوان المسلمين مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين بعد غياب في السجون والمعتقلات لأكثر من عشرين عامًا،

ولد الأستاذ عمر عبد الفتاح عبد القادر مصطفى التلمساني في حارة حوش قدم بالغورية قسم الدرب الأحمر بالقاهرة في 4 نوفمبر عام 1904م، وتوفي في يوم الأربعاء 13 من رمضان 1406هـ الموافق 22 مايو 1986 عن عُمْر يناهز 82
كان جده ووالده يعملان في بادئ الأمر في تجارة الأقمشة والأحجار الكريمة، وتنتشر تجارتهما ما بين القاهرة وجدة وسواكن والخرطوم وسنغافورة، ثم أنهيا تجارتهما واتجها إلى الزراعة في القليوبية، واستقرا في قرية نوى التابعة لمركز شبين القناطر القريب من القاهرة.
عامًا.نشأ عمر التلمساني في أسرة كريمة تتمسك بالدين والخلق، وكان جده سلفي النزعة، طبع العديد من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على نفقته الخاصة. تلقى عمر دراسته الابتدائية في إحدى مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم تلقى تعليمه الثانوي في المدرسة الإلهامية الثانوية بالحلمية، وكانت أسرته قد انتقلت إلى القاهرة بعد وفاة جده.
وفي هذه الفترة المبكرة من حياته قرأ كتب الأدب الشعبي من أمثال سيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وطالع كل ما كتبه المنفلوطي من أمثال البؤساء، وإلى جانب ذلك حفظ القرآن الكريم وقرأ كثيرا من أمهات الكتب العربية، مثل تفسير القرطبي والزمخشري وابن كثير، وطبقات ابن سعد، ونهج البلاغة، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وصحيح البخاري ومسلم، كما طالع من الأدب العالمي روايات إسكندر ديماس، وأميل زولا، ومال إلى الموسيقى، وعزف على العود سنين.
وهذه الثقافة المتنوعة هي التي طبعت شخصية التلمساني، ووسعت أفقه ونظرته الإنسانية، وأرهفت حسه ومشاعره، وأنضجت خبراته ومواقفه في الحياة.
ويصور هو شخصيته السمحة بقوله: "كنت "بحبوحا" أحب النكتة البريئة، والقفشة الرقيقة، متسامحا مع كل 
من أساء إليّ بالقول والعمل، وأتركه إلى الله، وما كنت أحب إحراج محدثي أو أقنعه بأن الحق إلى جانبي، إذا ما ألفيته متعصبا لرأيه".
وبعد حصوله على الثانوية العامة سنة (1343 هـ=1924م) التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها سنة (1350هـ=1931م)، واتجه إلى مهنة المحاماة، ووجد فيها مبتغاه، وكان يرى فيها مهنة الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، ومهنة العقل الراجح في إقامة الدليل والبرهان. وغرامه بالحرية هو الذي جعله يختار المحاماة، حتى إنه عزف عن العمل في النيابة حين عرض عليه ذلك؛ هروبا من قيود الوظيفة.
حصل على ليسانس الحقوق، واشتغل بمهنة المحاماه، وفي شبين القناطر كان مكتبه، وظل يدافع عن المظلومين حتى جاءت سنة 1933م التى التقى خلالها بالإمام الشهيد "حسن البنا" في منزله، وبايعه، وأصبح من الإخوان المسلمين
التقى عمر التلمساني عام 1933 بحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في منزله وبايعه.  وكان أول محامٍ يدخل الدعوة المباركة وقد كان للتلمساني منذ توليه منصب المرشد العام سنة 1974خلفا لحسن الهضيني دور مهم في استقرار جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
تمثل التلمساني نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قال لها: "مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش"، ودارت حياته كلها حول هذا المعنى: الرفق في الأمور، واختيار الأسلوب الهادئ، والكلمة الطيبة، والعبارة المهذبة، والابتسامة المشرقة، والصوت الهادئ.
وكان هذا الهدوء والثقة يعكسان شخصية قوية صلبة لا تلين، تواجه الأعاصير بابتسامة واثقة، وتتصدى للأزمات بأحسن الكلم وتمسك بزمام نفسها، ولا تضطرها العواصف ولا غدر الناس أن تنال من هدوئها ولا سلامة منطقها.
وشاء الله له أن يلم شعث جماعة الإخوان المسلمين؛ إذ كانت شخصيته الرفيقة الدقيقة تجذب الناس إلى الجماعة، وكانت أخلاقه السمحة عنوانا لها، فأقبل الناس عليها وعاد ما كان لها من قوة وتأثير.
دخل السجن عام في عام 1948 ثم 1954 ثم في عام 1981م، فما زادته الابتلاءات إلا صلابة وثباتًا.
إن انضمام التلمساني المبكر إلى جماعة الإخوان يكشف  عن رغبة صادقة من التلمساني في خدمة دينه 
والدفاع عنه. ويذكر التلمساني في مذكراته أنه رشح نفسه مرتين لمجلس النواب، لكي يصدع بكلمة الحق والدعوة الإسلامية في أعلى هيئة تشريعية في البلاد لكنه لم يوفق، ومنذ هذه اللحظة بدأت مسيرة التلمساني في جماعة الإخوان، وشاهد بداياتها وصعودها وكبواتها والمحن التي ألمت بها، والضربات التي وجهت للقضاء عليها أو وقف مسيرتها أو احتوائها. ولم يكن هو بعيدا عن ذلك كلية، حيث كان عضوا في مكتب إرشاد الجماعة، وتعرض للاعتقال في الفترة الملكية إذ قبض عليه بعد استشهاد الإمام حسن البنا سنة (1369هـ= 1949م) مع الآلاف من أعضاء الجماعة.
ثم كانت الأحداث الدامية في سنة (1374هـ=1954م) حيث نكلت حكومة جمال عبد الناصر بجماعة الإخوان، وألقت بالآلاف منهم في السجون، وعقدت لهم المحاكمات العسكرية ، وكان من نصيب التلمساني أن حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاما، ثم أعيد اعتقاله فور انتهاء المدة سنة (1389هـ = 1969م) حتى أفرج عنه عام (1391هـ= 1971م)، وبعد 10 سنوات من الإفراج عنه اعتقل مرة أخرى في أحداث سبتمبر الشهيرة سنة (1401هـ= 1981م) في عهد الرئيس السادات.
بعد وفاة الأستاذ حسن الهضيبي ونائبه الدكتور خميس حميدة تحمل عمر التلمساني أعباء الجماعة باعتباره أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنا، ولم يكن للجماعة وضع قانوني منذ أن عُصف بها وبفروعها، فكان هو مرجع جماعة الإخوان الأدبي والمعنوي دون أن يكون هناك أي تنظيم لا ترضاه الجهات المسئولة عن الأمن في مصر، وقد اعترف المسئولون في مصر بهذا الوضع، واعتبروه مسئولا عن الإخوان المسلمين وتعاملوا معه على هذه الصفة.
وكان السادات قد بدأ حكمه بإخراج الإخوان من المعتقلات، وترك لهم قدرا من الحرية في الحركة، ثم ظهر المد الإسلامي بعد معركة العاشر من رمضان، واشتدت الصحوة الإسلامية في أنحاء البلاد، وقيل: إن السادات كان يهدف من وراء ذلك للقضاء على التيار الماركسي، وأيا ما كانت دوافع الرجل التي لا يعلمها إلا الله، فقد شهدت البلاد مدا إسلاميا واضحا في الحياة وبخاصة بين شباب الجامعات ؛ كان لجماعة الإخوان نصيب في الصحوة الإسلامية بعد أن نجح التلمساني بمعاونة إخوانه في جمع ما تفرق من الجماعة بعد المحن الرهيبة التي أصيبت بها.
وصاحب عودة جماعة الإخوان إلى نشاطها الإصدار الثاني لمجلة الدعوة في (شهر رجب 1396هـ=يوليو 1976م) التي تولى إدارتها والإشراف عليها عمر التلمساني ورأس تحريرها صالح عشماوي، وكان للمجلة دور كبير في انطلاق دعوة الإخوان وتعريف الأجيال الجديدة بمبادئها وبالمحن وجرائم التعذيب التي حلت بها في الحقبة الناصرية، وكان الأستاذ عمر التلمساني يتولى كتابة افتتاحيات المجلة الشهرية التي تحمل أفكار الجماعة وموقفها تجاه الأحداث، ومطالبتها الدائمة بعودة نشاطها الرسمي تحت بصر الدولة وبموافقتها.
ولما أقدم السادات على زيارة إسرائيل سنة 1977م وعقد معاهدة كامب ديفيد أعلن التلمساني معارضته ومعارضة الجماعة لهذه الخطوة، ورفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتتابعت مقالاته التي تحذر من هذه السياسة في قوة وشجاعة.
وترتب على موقف الجماعة من معاهدة السلام والتطبيع مع إسرائيل أن ساءت العلاقات بينها وبين الدولة التي لم يتسع صدرها للنقد والمراجعة، فضاقت بمعارضة الإخوان لسياستها. وفي ندوة الفكر الإسلامي التي عقدت في الإسماعيلية في (شهر رمضان 1399هـ= أغسطس 1979) وحضرها التلمساني وجه السادات له وللإخوان تهما عديدة، من بينها التخريب والعمالة وإثارة الطلبة وإشعال الفتنة الطائفية، وما كان 
من التلمساني إلا أن طلب الرد تعقيبا على اتهامات السادات، ووقف أمامه وقال له: "لو أن غيرك وجه إليّمثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لقد آذيتني يا رجل، وقد أَلزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعته منك".
وارتج السادات لوقع هذه الكلمات الصادقة النابضة بالثقة والإيمان فقال له: "إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين.. اسحب شكواك.."، فأجابه التلمساني بأنها رفعت إلى من لا أستطيع استرداد ما وضعته بين يديه. وبعد أن انتهى الاجتماع أرسل السادات كلا من عبد المنعم النمر وزير الأوقاف ومنصور حسن وزير الثقافة والإعلام لاسترضاء التلمساني، وأن الرئيس لم يقصد الإساءة إلى شخصه وسيحدد موعدا لمقابلته.
وبعد أشهر قليلة التقى التلمساني بالسادات في استراحة القناطر الخيرية في شهر (ربيع الأول 1400هـ= ديسمبر 1979م) ويحكي هو عن أحداث هذه المقابلة بقوله: "لا يفوتني أن أذكر -إنصافا للسادات- يوم أن قابلته باستراحة القناطر الخيرية أنني وجدت أمامه مجموعة من أعداد مجلة الدعوة، وأخبرني أن الإسرائيليين يشكون ويحتجون على هذه الحملات الإخوانية، فأجبته بأن معارضتي لمعاهدة السلام والتطبيع وموقف إسرائيل بأجمعه مبعثه ديني محض، ولا علاقة له بما يسمونه سياسة دولية أو غير دولية، وإن ديني يحتم عليّ أن أستمر في هذه الحملة حتى تنجلي الغمة. وراعني حقا أن الرجل بعد الاستماع إليّ قال لي بمنتهى الصراحة والوضوح والرضا: اكتب. ولن أنساها للسادات ما حييت رغم ما لقيته منه يرحمني ويرحمه الله".
وهذه الروح السمحة والميل إلى العدل والإنصاف يذكرنا بموقفه وهو في السجن حين بلغه نبأ وفاة جمال عبد الناصر، فقال: "مات؟ انتهى؟ ذهب إلى الله؟ الله يرحمه"، وتصايح الإخوان الذين كانوا معه في غضب: كيف يرحم الله قاتل العشرات وجلاد الآلاف، فقال لهم: "نحتسب ما أصابنا في سبيل الله، ولا داعي للشماتة".
ولما اشتدت المعارضة لسياسة السادات الداخلية والخارجية لم يلجأ (السادات) إلى احتوائها والتفاهم معها،  الأمر الذي أفقد السادات صبره ولجأ إلى سياسة التحفظ والاعتقال، فأدخل إلى السجن زعماء المعارضة من جميع ألوان الطيف السياسي فيما عرف بأحداث 3 سبتمبر 1981م، ولم يسلم قادة جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم التلمساني من هذه الإجراءات، وظل معتقلا ولم يفرج عنه إلا في بداية حكم الرئيس مبارك الذي خلف السادات عقب اغتياله في حادث المنصة المشهور.
وبعد خروجه قاد الجماعة إلى مزيد من اندماجها في الحياة العامة من خلال مشاركتها في الانتخابات، فبدأت الجماعة تحقق نجاحات واضحة في انتخابات النقابات المهنية، ودخل عدد من قادتها مجلس الشعب المصري في انتخابات 1984 بعد تحالفها مع حزب الوفد المصري، وكان قد تم الاتفاق بين الإخوان والوفد على خوض الانتخابات متعاونين حتى في الدوائر التي ليس فيها مرشحون للإخوان فإنهم سيعطون أصواتهم للوفد.
وفي غمرة قيادته لجماعة الإخوان والأعباء الملقاة على عاتقه لم ينس أنه صاحب قلم،  وكان من ثمرة ذلك عدة كتب كان يعتبرها -لتواضعه- خواطر جمعت في كتب، وليس فيها ما يستحق إلحاقه بالمؤلفات، وهذه الكتب هي:
1- قال الناس ولم أقل عن حكم عبد الناصر. آراء المعارضين في جمال عبد الناصر وحكمه: دار الأنصار – القاهرة – 1400 هـ، 347 صفحة.
2- الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل: دار التوزيع والنشر الإسلامية – القاهرة – 1404 هـ، 158 صفحة.
3- الإسلام ونظرته السامية للمرأة: دار الوفاء – المنصورة، 54 صفحة.
4- أيام مع السادات: دار الاعتصام – القاهرة - 1404هـ، 144 صفحة.
5- ذكريات لا مذكرات: دار الاعتصام – القاهرة – بدون تاريخ، 285 صفحة.
6- شهيد المحراب، عمر بن الخطاب: دار الأنصار – القاهرة – 1397هـ، 384 صفحة.
7- الخروج من المأزق الإسلامي الراهن: دار الوفاء – المنصورة – مصر – 1400هـ.
8- الحكومة الدينية: دار الاعتصام – القاهرة.
9- الإسلام والحياة: دار التوزيع والنشر الإسلامية – القاهرة – 1412هـ.
ظلت سماحته وسلامة نفسه وحياؤه الشديد ورغبته في الإصلاح هي مفتاح شخصيته، وكان يلوذ بالنفس الطويل، والصبر الجميل ويحاول بالإقناع المتكرر أن يبلغ هدفه، وكان يركز اهتمامه على ما يجمع ويقرب الصفوف، وكان يتجنب في حديثه كل عبارة أو كلمة يرى أنها تخدش المشاعر أو تؤذي السمع، وأصدق ما قيل عنه ما وصفه به الشيخ محمد الغزالي بأنه كان "ملكا كريما في إهاب بشر أرهقته السنون".
وقد غادر التلمساني الدنيا في (13 من رمضان 1406 هـ= 22 من مايو 1986م).

اقرأ المزيد »

القرضاوى ناظر المدرسه الاخوانيه


تَدين الصحوة الإسلامية في السبعينيات بالفضل لعددٍ من الشيوخ والرواد في مقدمتهم الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- والأستاذ عمر التلمساني والشيخ الجليل يوسف القرضاوي أمَدَّ الله في عمره.

تلك الصحوة التي تُعد بحق الإحياء الثاني لما بدأهُ المصلحون الأولون مثل محمد بن عبد الوهاب والمهدي في السودان، وابن باديس وحسن البنا والسباعي والمودودي، وبطبيعة الحال نتيجةً لجهود الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، وإذا كان الدكتور العلامة الشيخ القرضاوي قد ذكر أن شباب الجامعة هم الذين بدأوا بالصحوة، وهم الذين قادوها، ولا يستطيع أحدٌ أن يدَّعي أنه قام بالصحوة، لا الإخوان ولا غيرهم، ولكنها كانت انفجارًا صنعه الله، بدأت بشباب الجامعات في كليات القمة، وحتى الأزهر تأخَّر عن هذا، بل وحين بدأت الصحوة في الأزهر لم تبدأ في الكليات الشرعية، وإنما بدأت في كليات القمة أيضًا، فكانت الريادة لهؤلاء الشباب.


إلا أن ما لم يذكره الشيخ الجليل هو: أن هؤلاء الشباب حين قاموا بصحوتهم- ومن فضل الله عليَّ أن كنتُ أحدهم- كانوا يتطلعون إلى شيوخٍ وروادٍ يشيرون عليهم بالأصوب والأحسن والأسلم، وكان الشيخ القرضاوي هو أحد أهم وأعظم هؤلاء الرواد إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وكانت أعظم إشاراتهم هي الإشارة إلى وسطية الإسلام، التي كانت مدرسة الإخوان المسلمين تمثل تجسيدها الفكري والحركي واستطاعت من خلاله الصحوة الإسلامية في السبعينيات أن تتحرك بين الناس، وتُعبِّر عن نفسها وعمَّا تحمله من أفكار.


كانت الصحوة الإسلامية في هذه الفترة صحوة عقولٍ وأفكار يكتنِفُها بعض الغموض، وصحوة قلوبٍ ومشاعر وحماسة هائلة للدين، وصحوة اهتمام بقضايا العالم الإسلامي وصحوة إرادة وعزيمة، وصحوة عملٍ وسلوك مَثَّل القرضاوي لنا مدرسة الوسطية الإسلامية في أجمل معانيها؛ تلك الوسطية التي تعني الوسط بين النقيضين التَّشدُد الديني من ناحية والعلمانية الغربية من ناحيةٍ أخرى.


وممَّا دفع أبناء الصحوة الإسلامية إلى التعلُق والارتباط بالشيخ القرضاوي هو: أنه كان وما زال نموذجًا للعالِم المجاهد المدافع الصلب عمَّا يؤمن به ويراه حقًّا يعيش هموم المسلمين وقضاياهم مهما كلَّفهُ ذلك من تبعاتٍ وردود أفعال؛ فالمتعصبون يرفضون آراءه ويَعتبرونه (مُترخِصًا)، والصَّهاينة وبعض الدوائر الغربية ترى فيه العدو الأول للصهيونية، مُتشددًا ومُتعصبًا، ومن أكثر العلماء تحريضًا ضِد الصهيونية؛ وكذلك تراه غير مُرحبٍ به في بعض الدول العربية والإسلامية.


كل هذه المتناقضات تِجاهه تؤكد أن هذا الرجل على الطريق الصحيح، ويُمثِّل الوسطية التي يرفضها المتعصبون والعلمانيون، وفي المقابل فله في قلوب الملايين من المسلمين في أقطار الأرض كل تقديرٍ واحترامٍ ومحبة.


مكتبــــــة الدعـــــوة و التغييــــر

اقرأ المزيد »

دعائم النصر للإمام حسن البنا

بقلم : الإمام حسن البنا



( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (الأنفال: 45 : 47)
 
أيها العرب والمسلمون اسمعوا وتدبروا واعتبروا وصدق الله العظيم ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17) ، وإن آيات الكتاب الكريم في صدقها وأحقيتها لأثبت من المعادلات الرياضية التي لا تختلف نتائجها ولا تضطرب أرقامها ومن أصدق من الله قيلاً ، وهذه هي قواعد النصر الست في هذه الآيات الكريمة :
 
1ـ الثبات : فإن المؤمن لا يتزعزع ولا يتردد ولا يهن ولا يضعف أبداً لأنه لا ينتظر إلا إحدى الحسنيين الشهادة أو النصر ، ولا يتوقع إلا ما كتب الله له ، ولو أن أهل الأرض جميعاً اجتمعوا على أن ينفعوه لم ينفعوه إلا بشئ قد كتبه الله له ، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشئ قد كتبه الله عليه ، وإنه مأجور على ما يلقى من ذلك لله ، وأشد ما يحرص عليه الناس آجالهم وأرزاقهم ، وأشد ما يدعوهم إلى التردد والضعف ، الخوف على هذه الأعمار أن تقصر بالموت ، والخشية على هذه الأرزاق أن تنقص بالنفقة ، والمؤمن واثق تمام الثقة أن الأجل والرزق بيد الله وحده لا سلطان عليهما لأحد غيره ، ففيم التردد والخوف والضعف والوهن ، إن المؤمن ثابت لا يلين ، قوي لا يضعف ، وكثيراً ما كان الفرق بين الهزيمة والنصر ساعة من الثبات ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:146) .
 
2ـ وذكر الله تبارك وتعالى وهو أمان الخائفين وأمل اللاجئين والمؤمن يعلم تمام العلم ، ويوقن أعمق اليقين بأن قدرة الله أعظم قدر وأن قوة الله أجل القوى ، وأن الله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، فإذا أحاطت عوامل اليأس وهتفت به هواتف الهزيمة من كل مكان وأحدقت به قوى الأعداء من كل جانب ذكر صادقاً أن وراء ذلك كله قوة القوي القدير العلي الكبير ، الذي له ما في السموات والأرض ومن فيهما جميعاً ، ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) ، ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
فماذا عسى أن ينال من نفسه تهويل المهولين ، أو قوة المتكاثرين وعدة المعتدين ؟ لا شيء أبداً ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران:173) .
 
3ـ وطاعة الله ورسوله ، فلا قتال إلا لغاية ولا عمل إلا في حدود ، وإذا كانت الغاية مرضاة الله ورسوله ، وإذا كانت الحدود حدود الله ورسوله وما وضع العليم الخبير لعباده من نظم ومناهج وأحكام وقواعد تبصرهم بالخير وتأمرهم به ، وتحذرهم من الشر وتنهاهم عنه ، كانت تلك ولا شك أنبل الغايات وأشرف المقاصد يهون في سبيلها البذل ويطيب من أجلها الكفاح ( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (النساء:76)  .
 
4ـ الوحدة والإخاء في العاطفة والقيادة والجندية والقول والعمل والشعور والروح والمقصد والغاية والوحدة في كل شيء هي اساس القوة وملاك العزة وما تفرق قوم إلا ضعفوا وما اختلف نفر إلا ذلوا ، والوحدة صميم الإيمان والفرقة معنى من معاني الكفر ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: 10) .
 
5ـ الصبر : وهو أصل الثبات ، فلا ثبات إلا للصابرين ، والثبات مظهر وعمل ، والصبر عاطفة وخلق ، والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب في الدنيا بالنصر والظفر ، وفي الآخرة بالمثوبة والأجر ، ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ، ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) ، ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) .
 
6ـ تصحيح النية وطهارة المقصد ، فلا يكون الغرض عدواناً على أحد ، أو إبطالاً لحق ، أو إحقاقاً لباطل ، أو تهجماً على آمنين أو اغتصابا لآخرين ، بل يكون دفاعاً مشروعاً أو نجدة لمظلوم أو حماية للمثل العليا أن تنتهك حرمتها ولقواعد العدالة والإنصاف أن تنهدم بفعل المطامع والشهوات ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )(الأنفال:47) .
 
أيها العرب والمسلمون :
في هذا الوقت العصيب الذي تدفقت فيه عليكم قوى الشر من كل مكان فتألب الشرك بقضه وقضيضه عليكم في الهند ، وتألبت اليهودية العالمية بعددها وعدتها عليكم في فلسطين ، ووقفت دول الاستعمار الباغية المخادعة ترمق المعركة لتقتسم الأسلاب ، وتلقي في النار بالوقود لتزداد اشتعالاً حتى تأتي على الأخضر واليابس ، ورأيتم مصداق قول الله تبارك وتعالى ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة: 82)
 
في هذا الوقت أيها العرب والمسلمون يجب ألا تيأسوا ولا تهنوا ولا تحزنوا ، فقد وعدكم الله النصر ولا شك في موعوده متى عرفتم قواعده ، وأقمتم دعائمه وأخذتم في أسبابه وعرفتم كيف تحققون هذه الأمور الستة :
* الثبات            * وذكر الله      * وطاعة الله ورسوله     
* والوحدة          * والصبر       * ونبل المقصد
والله معكم ومن كان الله معه فلن يغلب أبداً .. والله أكبر ولله الحمد
 
(1) جريدة الإخوان المسلمين اليومية ـ السنة الثالثة ـ العدد 700 ص1 شوال 1367هـ / 13 أغسطس 1948م .
 

مكتبة الدعوة و التغيير تأتيكم دائما بالأفضل

اقرأ المزيد »